أبي منصور الماتريدي
194
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ولشريعته وأمته أصلا ، بل إن جاز عليه الخطأ ولو في يسير من الأمر بمقتضى تلك البشرية ، فليس يجوز في عقل عاقل أن يقر عليه ، بمقتضى ما له من الرسالة ، بل لا محالة يهديه ربه إلى صواب القول والعمل . الثانية : أن خير من يمكن أن يفسر الشيء من تكون أهم وظائفه تبيان ذلك الشيء ، فعند ذلك نقول : قد صرح الله في محكم ذكره بأن أولى غايتي إنزاله ، وبالتالي أهم وظيفة لنبيه هي تبيانه صلى اللّه عليه وسلم ذلك الذكر للناس ، على ما قال جل من قائل : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ النحل : 44 ] . الثالثة : أن من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن السنة هي الأصل الثاني لهذا الدين ، والمصدر التالي للقرآن مباشرة في جميع كليات هذا الدين وجزئياته ، فالمجاوز للسنة إذن مع وجدان طلبته فيها راكب لعظيم ، مخالف لمقتضى ضروريات هذا الدين . الرابعة : أن طلب البيان من السنة ما تيسر فيها هو من جملة مقتضى الأوامر الإلهية الموجبة لطاعته صلى اللّه عليه وسلم في كل ما نأتي ونذر ؛ من أمثال قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ النساء : 59 ] « 1 » . وقد رسخت هذه المسلمات وتقررت في أذهان أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فكانوا يسألونه - كما سبقت الإشارة - عن جميع ما يشكل عليهم من القرآن الكريم وغيره ، وقد ذكرنا فيما مضى بعض الأمثلة التي تبين ذلك ، ونزيد الأمر وضوحا بعرض مجموعة القضايا الآتية : القضية الأولى : كيف بينت السنة القرآن « 2 » ؟ جاء بيان السنة للقرآن على وجوه متعددة ، أبرزها ما يأتي : الوجه الأول : بيانه صلى اللّه عليه وسلم لبعض مجملات القرآن ، كما في بعض الفروض التي جاءت في القرآن مجملة : كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، فقد قام صلى اللّه عليه وسلم بتفصيل أمرها بأقواله أو أفعاله ، أو كليهما ، تفصيلا ما كنا نستطيع بدونه أن نفهم المقصود منها ، فقد بين صلى اللّه عليه وسلم مواقيت الصلوات الخمس ، وعدد ركعات كل صلاة وكيفيتها ، وبين مقادير الزكاة ،
--> ( 1 ) د . إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة : دراسات في مناهج المفسرين - الجزء الأول ( طبعة دار الوفاء ، نشر مكتبة الأزهر ، القاهرة ( 1399 ه - 1979 م ) ( ص 213 ، 214 ) . ( 2 ) ينظر في هذه القضية : د . محمد حسين الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 57 - 59 ) ، ود . إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة : دراسات في مناهج المفسرين - الجزء الأول ( ص 235 - 246 ) ود . عبد الله شحاتة : علوم القرآن والتفسير ( ص 247 ، 248 ) .